اسماعيل بن محمد القونوي

394

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( ومفعوله إن أريد به المصدر كأنه قال رزقا إياكم ) أشار به إلى أن اللام في لكم حينئذ زائدة لتقوية العمل كما نبهنا عليه وأما على الاحتمال الأول فلكم ظرف مستقر له وفائدته الترغيب على شكره فإن الإنسان إذا نظر إلى ما أنعم اللّه به عليه حمله حب النعمة والرضى وبهذا الاعتبار كان هذا الاحتمال راجحا ولذا قدمه مع كونه مجازا لكن كون الرزق بمعنى مرزوقا حقيقة في العرف وهو راجح لكون الحقيقة مهجورة . قوله : ( متعلق باعبدوا ) أي متعلق به تعلقا معنويا بالعطف وللتنبيه على ذلك قال ( على أنه نهي معطوف عليه ) والجامع بينهما التضاد فحسن العطف بالفاء ح ما أشار إليه المص في قوله واعلم أن مضمون الآيتين حيث قال وبيانه أنه رتب الأمر بالعبادة على صفة الربوبية ثم قال ثم لما كانت هذه الأمور لا يقدر عليها غيره شاهدة على وحدانيته رتب عليها النهي عن الإشراك انتهى . فنبه به على أن ترتب فلا تجعلوا على هذه الأمور لا على اعْبُدُوا [ البقرة : 21 ] فقط فلا ريب في ترتب النهي عن الإشراك على هذه الأمور لكنه تسامح هنا فقال متعلق باعبدوا ومراده متعلق باعبدوا مع ما هو قيد له ومحط الترتيب القيود التي بين بها ربوبيته من كونه خالقهم وخالق أصولهم وما يحتاجون إليه إلى آخر ما ذكره هناك وليس هذا مثل قوله تعالى : وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ [ النساء : 36 ] حيث علق العبادة بذاته وعدم الشرك به أيضا فالمناسب العطف بالواو إذ العبادة ليست سببا للتوحيد بل التوحيد رأس العبادة وأصلها فلا يترتب التوحيد وأما هنا كما عرفت فالترتيب على العبادة التي علقت بالربوبية المثبتة بالخالقية وقد ثبت في موضعه أن محط الفائدة في الكلام المقيد مثبتا كان أو منفيا القيد فالترتب في الحقيقة على القيود وإن كان على العبادة ظاهرا حيث عطف عليه فلا إشكال أصلا وأرباب الحواشي كأنهم لم ينظروا إلى قوله الآتي جعلكم للّه أندادا فجيء بالفاء العاطفة بدل الواو دلالة على أن ما بعدها مترتب على ما قبلها ترتيب المسبب على السبب وأن العبادة سبب يؤدي إلى التوحيد ونفي اتخاذ الأنداد أقول معنى الفاء على أي وجه أريد دائر على معنى السببية فيلزم جعل الشيء سببا لنفسه إما على تعلقه باعبدوا فلأن التوحيد ونفي الشرك من جملة العبادة وداخل فيها دخولا أوليا لأن التوحيد أساس جميع الأعمال ورأس كل العبادات إذ لا اعتداد عند عدمه وإما على تعلقه بلعل فلأن نفي جعل الأنداد له تعالى من جملة التقوى بل هو الأصل فيها لأن معناها اتيان الواجبات بأسرها والاجتناب عن المحظورات برمتها فالاجتناب عن الشرك داخل فيها دخولا أوليا ويمكن أن يجاب عنه بأن التزم إلى جعل الشيء سببا لنفسه مبالغة ودلالة على أن نفي الأنداد ليس له سبب سواه أو إلى جعل الفاء لمجرد العطف فمعنى العطف مع دخول المعطوف في المعطوف عليه الإشارة إلى عظم خطر الشرك كالعطف في تنزيل الملائكة والروح حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى [ البقرة : 238 ] ومعنى العطف بخصوصية الفاء التراخي في الرتبة لا في الزمان أو يقال نفي اتحاد الأنداد لازم للتوحيد لا نفسه فكأنه قيل وحدوا ربكم فلا تجعلوا له أندادا أو يكون اعبدوا مؤولا بالقصد والإرادة على معنى اقصدوا عبادة ربكم فلا تجعلوا له أندادا كقوله تعالى : إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [ المائدة : 6 ] أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة فَاغْسِلُوا [ المائدة : 6 ] وأمثاله كثيره أو يكون فَلا تَجْعَلُوا [ البقرة : 22 ] جوابا لشرط محذوف والمعنى إذا أردتم عبادة ربكم فلا تجعلوا له أندادا .